التكافل والزكاة والوقف: التمويل الإسلامي في خدمة المجتمع
كثيرًا ما يُنظر إلى التمويل الإسلامي من زاوية أبعاده المصرفية وأسواق رأس المال وحسب؛ كتمويل المرابحة وإصدار الصكوك والمحافظ الاستثمارية المتوافقة مع الشريعة. بيد أن بعض العناصر الأكثر أثرًا وتميّزًا في التقليد المالي الإسلامي هي أدواته التمويلية الاجتماعية: التكافل والزكاة والوقف. وتجسّد هذه الآليات الثلاث مجتمعةً أعمق التزامات المنظومة المالية الإسلامية بالتضامن الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة ورفاه المجتمع. وفي سياق عالمي يتسم بتنامي التفاوت وهشاشة شبكات الأمان الاجتماعي والإدراك المتزايد بأن التمويل يجب أن يخدم ازدهار الإنسان لا أن يقتصر على تحقيق العوائد الخاصة، يقدّم التمويل الاجتماعي الإسلامي رؤى بالغة الأهمية والراهنية. ويتناول هذا المقال كلًّا من هذه الأدوات الثلاث بالتعمق والتحليل، مستعرضًا تطورها التاريخي وتجليّاتها المؤسسية المعاصرة وبيئتها التنظيمية وإسهامها المحتمل في الشمول المالي والتنمية المستدامة.
الجزء الأول: التكافل — التأمين الإسلامي والتضامن المتبادل
١.١ الإشكالية في التأمين التقليدي
يُعدّ التأمين التقليدي من أكثر الخدمات المالية انتشارًا في العالم، إذ يوفّر الحماية من مجموعة واسعة من المخاطر: الوفاة والمرض والحوادث والحريق والفيضان والمسؤولية المدنية وغيرها الكثير. غير أن التأمين التقليدي —من منظور إسلامي— ينطوي على اعتراضات شرعية جوهرية تجعله مُشكلًا أو محرّمًا على المسلمين الملتزمين بأحكام دينهم. الاعتراض الأول: الغرر المفرط في العقد، إذ يدفع حامل الوثيقة قسطًا مقابل وعد شركة التأمين بالتعويض إن تحقّق حدث محدد، في حين يظل وقوع هذا الحدث وتوقيته وحجمه مجهولاً. الاعتراض الثاني: الميسر، فقد يُنظر إلى التأمين التقليدي على أنه رهان: يراهن حامل الوثيقة بقسطه على وقوع الحدث، وتراهن شركة التأمين على عدم وقوعه. الاعتراض الثالث: الربا، حيث تستثمر شركات التأمين الأقساط في أدوات ذات فائدة كالسندات الحكومية وأدوات السوق النقدية.
١.٢ نموذج التكافل: التضامن المتبادل
يُعالج التكافل —المشتق من جذر عربي يعني «الضمان المشترك» أو «التضامن المتبادل»— هذه الاعتراضات عبر إعادة هيكلة التأمين على أساس تعاوني غير ربحي. يقوم المفهوم الجوهري للتكافل على أن يُسهم المشتركون في صندوق مشترك (صندوق التبرع) تُصرف منه المطالبات؛ فهم في آنٍ واحد مُشتركون ومستفيدون، يتبرعون لحماية بعضهم لا للاسترباح من كوارث غيرهم.
في التكافل يحمي المشتركون بعضهم عبر التبرع المتبادل، والفائض ملك لهم لا لشركة تأمين ساعيةٍ إلى الربح.
١.٣ نماذج التشغيل في التكافل
تقوم عمليات التكافل المعاصرة على نموذجين رئيسيين: نموذج الوكالة الذي يعمل فيه المشغّل وكيلًا عن المشتركين في إدارة صندوق المخاطر مقابل رسم وكالة محدد، وتبقى كافة عوائد الاستثمار والفوائض الاكتتابية ملكًا للمشتركين. والنموذج الثاني هو نموذج المضاربة الذي يتولّى فيه المشغّل استثمار أصول الصندوق في أدوات متوافقة مع الشريعة ويتقاسم الربح الاستثماري مع المشتركين وفق نسبة متفق عليها سلفًا. ويلجأ كثير من مشغّلي التكافل المعاصرين إلى نموذج هجين يجمع بين الاثنين.
١.٤ التكافل العائلي والتكافل العام
تعكس منتجات التكافل بوجه عام فئات التأمين التقليدي مع التكيّف مع متطلبات الشريعة. يقابل التكافلُ العائليُّ التأمينَ على الحياة ويوفّر التغطية طويلة الأجل مع مكوّن ادخاري للأفراد والعائلات، في حين يغطي التكافل العام طيفًا واسعًا من مخاطر غير الحياة كالسيارات والممتلكات والصحة والبحر والهندسة والمسؤولية. وقد نما سوق التكافل العالمي نموًا ملحوظًا على مدار العقدين الماضيين، تحرّكه عوامل عدة أبرزها تزايد الوعي بالبدائل المتوافقة مع الشريعة والدعم التنظيمي في الأسواق الرئيسية.
الجزء الثاني: الزكاة — الإيتاء الواجب وإعادة توزيع الثروة
٢.١ الزكاة فريضة مالية
الزكاة —ثالثة أركان الإسلام الخمسة— فريضةٌ واجبة لإعادة توزيع الثروة، مفروضة على كل مسلم بلغ ماله النصاب وحال عليه الحول. وليست الزكاة تبرعًا اختياريًا (صدقة) ولا ضريبةً تفرضها الدولة، بل هي واجب ديني وحق للفقراء في ثروات الأغنياء وآليةٌ لتطهير المال المتراكم من خلال إعادة توزيعه الواجبة. يبلغ نصاب الزكاة نحو خمسة وثمانين جرامًا من الذهب أو خمسمئة وخمسةٍ وتسعين جرامًا من الفضة أو ما يعادلهما نقدًا؛ ومن تجاوزت أصوله الزكوية الصافية هذا الحد وجب عليه إخراج اثنين ونصف بالمئة منها سنويًا.
حدّد القرآن الكريم في سورة التوبة (الآية ٦٠) ثمانيةَ أصناف من مستحقي الزكاة: الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل. ويمنح اتساع هذه الأصناف الزكاةَ مرونةً واسعة بوصفها أداةً للرعاية الاجتماعية. وتتراوح التقديرات العالمية للإمكانات السنوية للزكاة بين مئتي وستمئة مليار دولار أمريكي؛ وهو رقم قادر —لو جُمع بالكامل ووُزّع بكفاءة— على أن يُشكّل واحدة من أضخم عمليات نقل الموارد لمكافحة الفقر في تاريخ البشرية.
الجزء الثالث: الوقف — الأصل المُحبَّس
٣.١ التاريخ ومفهوم الوقف
الوقف تحبيسٌ إسلامي يتمثّل في تخصيص أصل —عقارًا في الغالب تاريخيًا، لكنه يشمل اليوم الأصول المالية أيضًا— لغرض خيري أو عام على وجه الدوام والتأبيد. يُحبّس الواقف الأصل حبسًا مؤبّدًا لا يمكن بيعه ولا هبته ولا توريثه، فيُخصَّص دخله لتمويل الغرض الخيري المحدد من دعم للمساجد والمستشفيات والمدارس وسواها، فيما يُصان الأصل نفسه إلى الأبد.
يُعدّ الوقف من أعرق المؤسسات وأعظمها أثرًا في الحضارة الإسلامية؛ إذ كانت الأوقاف في ذروتها تموّل الجامعات —ومنها الأزهر في القاهرة الذي تأسّس وقفًا عام ٩٧٠م— والمستشفيات والمكتبات ودور الإيواء وخانات القوافل والجسور والحمامات العامة في ربوع العالم الإسلامي. وفي الدولة العثمانية بلغت الأراضي المحبوسة وقفًا ما يُعادل ثلث مجمل الأراضي المنتجة. وقد وفّرت مؤسسة الوقف في جوهرها البنيةَ التحتية الاجتماعية —من تعليم ورعاية صحية وخدمات مجتمعية— التي تتكفّل الدول اليوم بتمويلها من خلال الضرائب.
٣.٢ نماذج الوقف المعاصرة
رسم الابتكار الوقفي الحديث آفاقًا تتجاوز بكثير الأوقاف العقارية التقليدية. يتيح وقف النقود للأفراد تحبيس أصول نقدية —لا عقارات— لأغراض خيرية، حيث يُستثمر المبلغ الأصلي في أدوات متوافقة مع الشريعة ويُخصَّص دخل الاستثمار لتحقيق الهدف الخيري. وقد خفّض وقف النقود عتبة المشاركة الوقفية تخفيضًا جذريًا، مما أتاح لذوي الدخل المتوسط إنشاء أوقاف كانت في السابق حكرًا على أصحاب الثروات العقارية الكبيرة. أما الوقف المؤسسي فيتمثّل في إنشاء الشركات أوقافًا —عادةً عبر تحبيس جزء من الأسهم أو الأرباح— تولّد دخلًا يُصرف في وجوه البر والخير. وثمة إلى جانب ذلك المنتجات المالية المرتبطة بالوقف التي تُعدّ من أبرز التطورات المعاصرة وأجدّها ابتكارًا، كالصكوك الموجَّه جزء من عوائدها لأغراض الوقف.
الخاتمة: التمويل الاجتماعي الإسلامي ومستقبل التنمية الشاملة
يُشكّل التكافل والزكاة والوقف معًا منظومةً متكاملة من التمويل الاجتماعي الإسلامي، أمّنت على مرّ التاريخ الحمايةَ من المخاطر وإعادة توزيع الثروة والاستثمار المجتمعي على امتداد الحضارة الإسلامية. ويُمثّل بعث هذه المؤسسات وتأهيلها مؤسسيًا في عصرنا —عبر شركات التكافل المحترفة وهيئات الزكاة المطوّرة والهياكل الوقفية المبتكرة— التمويلَ الاجتماعي الإسلامي أداةً فاعلة في المسيرة العالمية نحو تنمية شاملة ومستدامة. في عالم يسعى إلى نماذج مالية تخدم كرامة الإنسان لا أن تقتصر على توليد الثروة الخاصة، يقدّم التمويل الاجتماعي الإسلامي إلهامًا حقيقيًا وأدوات عملية راسخة.